09 - 08 - 2026

إبداعات | الشبيهان .. قصة قصيرة

إبداعات | الشبيهان .. قصة قصيرة

لم تعد عيناي تقويان على سرج الحروف، حتى ضنَّ الهواء بها، وكأنني في وحدة داخل قبر لا يعرف إلا لغة الصمت والأنين.

تذكرت أنها نفس الصورة التي تزين الصالون، وكنت أحاورها في صمت، وأراها تتمايل كغصن البان بين الحقول المترامية، وشعرها الذي ينساب بين كتفيها، كأنه يفيض بماء عذب يروي الروح قبل الجسد.

فجأة رأيتها وأنا جالس في سيارتي على قارعة الطريق، لالتقاط الأنفاس من جولة داخل شوارع المحروسة، أبحث فيها عن أيام مضت بعبق المكان ورائحة التراث التي لا تُنسى. وحينها أدركت أنها تلك المرأة التي رأيتها في كواليس أحلامي؛ بشرتها مشربة بالحمرة ونضرة النعيم، وخطواتها كسيمفونية رائعة تعزف لحن الجمال والخلود. تتوارى خلف نظارتها السوداء قسمات الحزن على ملامح وجهها.

نزلت من سيارتها الفارهة، ثم وقفت أمامي، وثبتت نظرها نحوي، وكأنني مررت يومًا ما في أحلامها. تعانقت الروحان قبل العينين، وطال بيننا صمت ثقيل يقول ما لا يقال.

ثم قطعت ضباب الصمت، وقالت بتنهيدة:

- أشعر وكأنني رأيتك من ذي قبل، ولا أدري أين! كأنك الروح التي تشبهني.

أمطرتها بحروف الناي الحزين:

- يبدو أن الإحساس واحد في كوكب الألم على أرض الوجدان، حبًّا عشناه فعلًا في مكان بعيد لا نعرفه.

اقتربت مني، وأمسكت بيدي. تمسح دمعة محبوسة في عينيَّ، وتملس على شعري. حينها شعرت أنها غسلت كل همومي، وكأن قلبي عاد يدق من جديد، بعد أن أصبح صحراء قاحلة بغرفة واحدة لا تنبض إلا بالأنين.

فقلت لها:

- عيناك تبوحان بحكايات لم تكتمل.

قالت، والفرحة في عينيها:

- إنها نفس الكلمات التي سمعتها منك من قبل، في أحلامي التي أصبحت واقعًا ليس بعيد المنال.

قطع الحديث صفير السيارات التي تريد أن تفر من قيظ في خريف العمر، وفجأة لا أجدها أمامي. لم تر عيناي إلا ما أريد أن أراه، ولم تسمع أذناي إلا ما أريد أن أسمعه.

حين تصبح الوحدة لغة حياة، ويعانق الصمت دقات القلوب، فلا بد للروح أن تصنع الشبيه!
----------------------------
بقلم: أبو المجد الجمال